صلاح فائق الخروج عن الإشاعة الشعرية

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
09/11/2014 06:00 AM
GMT



قد يثير شاعر مثل صلاح فائق الكثير من الشجن الشعري، ليس لأنه ينتمي إلى تجربة شعرية ساخنة، أو الي نوع من الخصوصية المكانية أو الجماعاتية، بقدر ما ان هذه الاثارة تستدعي البحث عن هاجس المفارقة، تلك التي تسعى لاعادة توصيف علاقة استعادية لكنها غائمة مع المكان، مثلما تسعى لتوصيف يقوم على الاستغراق المفارق بما هو يومي وحسي، حتى يبدو الشاعر وكأن قد وجد في هذه اللعبة التعويضية احساسا غامرا بالخروج من الاشاعة الشعرية، ولتجاوز عقدة النوستالجيا الجوفاء، ولوضع اللغة الشعرية امام وظيفة التجاوز والابتكار وصنع السعادات الصغيرة..
لا يمكن فصل تجربة صلاح فائق الشعرية عن جماعة كركوك بالتوصيف الثقافي، والجماعة الستينية في الشعر العراقي، إذ باتت قراءتها تستدعي نوعا من الفحص السسيونقدي، باعتبار ان الشاعر كان خارج (الكابينة الايديولوجية) وخارج (الاستغراق التجريبي الحاد) لكنه الاقرب الى التأثر بكل ما جعل شعراء الستينيات اكثر اثارة وتميزا في تشكيل ملامح جديدة لمرحلة ما بعد السياب والبياتي، ولعل خصوصية فائق وسركون ومؤيد وفاضل العزاوي كانت تتمثل بوعي التجديد بوصفه اكبر من لعبة شكلية، او بوصفه تمردا على جملة السياب الراسخة والقوية، وجملة البياتي الصائتة والمباشرة، اذ تكمن فعالية الخصوصية في وعي هذه الجماعة لتغاير الافكار، وانزياح المعارف والتقانات الشعرية الى مقاربة الاسئلة التي تتعلق بالحرية والاحتجاج والرفض، والبحث عن رؤى اخرى للتعاطي مع وعي الوجود، وطبعا هذا الفهم يقترن بالبيئة الخاصة والمحدودة التي تشكل بها النموذج الثقافي لجماعة كركوك، التي هي ليست جماعة فنية خالصة بقدر ما هي جماعة التقت عند المكان الواحد والمؤثرات الثقافية المشتركة..

استغراقات صلاح فائق..

صلاح فائق شاعر مهووس بوعي أنويته ازاء ما هو مكرس كثقافة جماعاتية، واحسب ان هذه المفارقة هي التي جعلته مهووسا بالسفر في المكان واللغة والمعنى، ومهووسا بالقصيدة التي تصنع لذة الشاعر، وتؤنسن وجوده.. واذ نستعيد قراءته اليوم، فاننا الاقرب الى جعل هذه الاستعادة مفتوحة لتلمس استغراقاته الشعرية، تلك التي تمسّ قصيدته، او التي تتعالق مع رغبته الحميمة في ان يصنع لهذه القصيدة جوارا مهيجا، يحرضها على التمرد، وعلى التجاوز والخروج، وعلى ان تكون جزءا من مزاجه ولذته وطريقته في وعي الوجود والجسد والامكنة الحميمة..
هذه الاستعادة هي ايضا محاولة للكشف عن وجوه أخرى للشاعر المسافر والضاج بقلقه واسئلته ورعبه الداخلي، فضلا عما يمكن ان تكشفه عن استغراقات اكثر صخبا للقصيدة ولتحولاتها، تلك القصيدة المسكونة بهواجس الانسان واسئلته وحكاياته وطقوسه، والتي يطلّ من خلالها على اسرار العالم الذي يساكنه، واستكناه حمولاته الرمزية والوجودية، ولفك ارتباطه مع التاريخ القهري للقصيدة العراقية التي كثيرا ما حكمتها الاشاعات والجماعات والايديولوجيات، وضيعت فيها شعرنة التجربة والخصوصية..
صلاح هو اكثر وارثي الشعر العراقي الأحياء قلقا، اذ ظل يمور بكل مراثي الشعراء الموتى، والتائهين في عوليسات الاسفار البعيدة لارث الشعراء حاملي الفوانيس/ سركون بولص، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، جان دمو، الاب يوسف سعيد/ مثلما هو الشاعر اللجوح بقلق الأمكنة، والباحث في سرائرها عن كائناته، وعوالمه، لذا هو يندفع باصرار سحري نحو مغامرة الكتابة، مغامرة الخروج عن الثابت والمطمئن، اذ هو يعي تماما ان تلك المغامرة هي صنو ما يمكن ان تكون عليه قصيدته، تلك القصيدة التي تفقد جوازها واشتعالها خارج لعبة المغامرة، مثلما يعي ايضا مهمته في استعارة كل الاشياء التي تمنحه وظيفة المغني والمتأمل والسائح وراكب الدراجة، والباحث عن اسماء اخرى لحياته وكوابيسه ومشاهده وحتى عناوين قصيدته اليومية…
صلاح فائق ليس شاعرا مباحا في السياق الكورنولوجي للشعرية العراقية، بقدر ما يبدو في كتابته وكأنه صانع لسياق استثنائي، سياق يهجس بكونية القصيدة، وبانسنتها التي تجرّها الى استيهاماته بفرادة خالصة، والى حميمية اللحظة وقلقها وبوحها وعوائها، وكأن ما فيها هو عواؤه الداخلي، العواء الذي اطلقه ذات مرة الن غيسنبرغ الشاعر الامريكي الذي تحول الى هاجس عند اغلب شعراء الستينيات…
قال مرة:
بدراجة سأعود من الفلبين الى كركوك،
اشتريتها بدينارين حين كنت جنديا،
احتفظ بها كصديقة…
هذه العودة الأوديسية تحمل معها روح الشاعر وزواداته التي ظلت عالقة في كمون الكلام، مثلما ظلت هاجس بوحه العميق حين تمسّه الاسئلة، فليس امام صلاح سوى استعادة الامكنة بروح ساخرة، واستعادة الفوانيس، ولملمة رماد موتاه الراحلين في مدن (الاين) اذ توهبه هذه الاستعادة غواية مفارقة العالم، وترميم امكنته التي ظلت بعيدة وشائهة، تلك الامكنة التي استباحها الطغاة والاحتلاليون وشذاذ الافاق..
استغراقات الشاعر صلاح فائق في المهجر لم تحبسه بعيدا عن اصابع القراءة، اي قراءته المستعادة والحاضرة، بوصفه اكثر شعرائنا تمردا على السياق وانفلاتا من اوهام الحزب والجماعة.. فهو صورة- غير حائطية- لنموذج الشاعر الرائي، الشاعر الذي يقول عن نفسه/ من الابراج.. كنت ارى في كل مرة،
اشارات السفن
وهي تغرق/
رؤية الغرق هي ارهاصه بالآتي، هي محاولة لاستجلاء خلاصه الشخصي من الموت السهل، والموتى المكررين، لذا لا اجد مقترحا لقراءة صلاح فائق سوى استعادته الكلية، استعادة اسحاره وقصائده التي تكتبه كما يقول.. مثلما هي استعادة الاسئلة التي تركتنا كثيرا عند خرابات ثقافية لا تنتهي، وعند فواجع اصطنعتها الحروب والاستبدادات، والتي لا نتوه عنها ايضا لكي لا نضلّ الطريق الى كشوفات لا تنتهي، وعند عتبات لا تؤدي الى ما يشبه مدن سركون بولص القصية..
قراءة الخصوصية الفنية في تجربة صلاح فائق بات ضرورة لمقاربة وجوه اخرى وتجارب اخرى في الشعرية العراقية، فضلا عن كونها ضرورة لاعادة فحص الكثير من المسكوت عنه في السياق الشعري العراقي، ليس لانه الشاعر النافر دوما، بل لاننا بحاجة الى استكناه الكثير من التفجرات المغيبة عن مرصدنا النقدي، ذلك المرصد المتورط بفوبيا الطرد السياسي والايديولوجي والحربي، الذي جعلنا نحن القراء المسكونين بالهوس الشعري اكثر غواية في البحث والملاحقة عما في مخبوءات الشعراء وقصائدهم المقصية والمفجوعة بمهيمنات الارث السياسي والعقائدي الذي اصطنع له على الدوام طغيانات مست الوجود الشعري والتاريخ والجماعة..